إعلان الرئيسية العرض كامل

إعلان أعلي المقال


صفحات الحزن

صفحات الحزن| قصة مؤثرة

  
     ليلى ابنة كبرى لعائلة ما علمت معنى الهدوء، و الدفء العائلي و الحنان الأبوي، هي فتاة تكبر عن سنها بقرون، حملت المسؤولية و حليب أمها مازال يتلاعب في فمها مع لعابها، تعتني بأختها الصغرى، أخت مازالت البراءة في عينيها تلألأ كنجم ساطع في السماء لا تحجبه غيوم، ذات الشعر الأسود الطويل المنسدل الناعم، كانت لطيفة، دائما تحمل في يدها دمية ملامحها طبقا لأختها، فهي كانت تكن لها حبا كبيرا، إذ أنها كانت تهتم بها و تحن عليها كأنها أمها الثانية.
     توفي الأب في حادثة سير، كان الخبر كصاعقة نزلت على البنتين و خصوصا ليلى لأنها كانت تعي بخطورة الأمر، أما أمها لم تهتم كثيرا لوفاة زوجها، إذ لم يكن يربطهما سوى الصراعات المتواصلة محل الود والمحبة، ونرجس البنت الصغرى ، كانت طيلة الجنازة تتصل بابيها من هاتف لا يعمل و توهم نفسها انه يجيبها و يقول لها انه سيأتي الليلة و سيحكي لها قصة لأول مرة، و تذهب تجري لتخبر ليلى بما قال لها أبوها، فتحضنها و تنهمر عباراتها حتى تتبلل خذيها.
     وبعد نهاية عدة الام باسبوع تزوجت برجل اسمه عصام، تظهر عليه ملامح الشر من العجيب كيف لم تظهر لفاطمة أم ليلى. بعد ثلاثة أيام من زواجهما، كشر عصام عن أنيابه و افترس البنتين، فما تكاد الأم أن تخرج حتى يبدأ بضرب البنتين و تعذيبهما، وفور رجوع الأم يدخل شيطان عصام في سباته و يظهر ملاكه، و يبدأ بتقبيل و احتضان البنتين، و حاولت ليلى أن تخبر أمها مرارا و تكرارا بما يحدث معها، ولكن تكذبها و لا تبالي بما تقول. في يوم سطعت شمسه و توسطت في سماءه الزرقاء الصافية، خرجت الام لتشتري حاجيات المنزل، فظلت ليلى و نرجس وعصام لوحدهم في المنزل، اعطى عصام لنرجس عصير برتقال، ففرحت كثيرا ب آذ أنها لم تشرب عصيرا لمدة طويلة، فأغمي عليها فور شربها للقطرات الأولى، و بهذا يكون قد تفرد بليلى و ادخلها بالإجبار إلى غرفة النوم، و هناك اغتصب طفولتها، و أنهى أحلى أيامها و حطم أحلامها التي كانت لا تزال  ترسمها و تختار الألوان التي تناسبها لتكمل لوحتها.
     عند عودت الأم، وجدت نرجس مستلقية على سريرها، أما المسكينة ليلى فكانت تبكي في ركن لوحدها، لم يهتم احد لما يجري بداخلها، و لا بالنار التي تحرقها ولا تجد وسيلة لإطفائها، حاولت هذه المرة أيضا أن تخبر أمها بالمصيبة التي حلت بها فلم تصدقها و لم تولي للأمر أية أهمية إذ كانت تقول داخل كيانها أن ليلى لا تحب عصام، و تريد الانتقام منه لأنه أخد مكان أبيها الراحل.
     في هذا الحين، كان عصام يفكر بطريقة تمكنه من التخلص من البنتين و معهما أثار جريمته الشنعاء، فقرر الالتواء على فاطمة و أقناعها بضرورة وضع البنتين في الميتم و التخلص منهما لكي يعيشا حياة هنيئة، ولتنسى أيضا معاناتها مع أبيها فهما سيذكرانها دائما بذلك، فوافقت الأم إذ كان عند عصام طرق متعددة للوصول لهدفه. وفي اليوم التالي ركبت الأم الحافلة و معها ابنتيها و نزلت أمام ميتم يحمل اسم الطفولة ووضعتهما أمام الباب و نبهتهما بعدم اللحاق بها، و رحلت تاركتهما وراءها بدون شفقة ولا رحمة.
     ظلت البنتين لساعات أمام الباب راجيتان عودت أمهما، و تتشبثان بأمل واه، ظنا أن أمهما ذهبت لتشتري لهما ألعابا، و لكن المسكنتين لا يعلمان ما يحيك لهما القدر، فجأة فتح باب الميتم و خرجت امرأة كأنها ملاك من السماء على الفتاتين لينقذهما من وحشة الشارع، فتوجهت نحوهما و سألتهما عن سبب تواجدهما في هذا المكان لوحدهما، فحاولت تهدءتهما و عرفت بنفسها على أنها نعيمة مديرة الخيرية، و أدخلتهما و أخذتهما إلى غرفتهما، في الأيام الأولى لم تستطيعا التأقلم مع الأطفال الآخرين ظنا منهما أن الحياة كلها شر و لا يوجد في خير فيها، و كل من حولهما يريد استغلالهما و هذا انطلاقا من تجربتهما القاسية، ولكن الوقت كان كفيلا ليضع لمسته و ينسيهما أحزانهما، و العذاب الذي ذاقاه و يسترجعان ثقتهما بالحياة، أما الميتم فقد أصبح منزلهما، و المربيات أصبحن كلهن أمهات لهما، أما نعيمة فقد كانت لها مكانة خاصة لدى ليلى و نرجس إذ كانت تحن عليهما و تهتم بهما.
     كبرت البنتان، و اكتسبتا شخصية قوية لا تزعزعها ريح ولا يذيبها بركان هائج، تتسمان بأخلاق حميدة، و طيلة السنين الماضية لم تزرهما أمهما ولم يرق قلبها نحوهما. كانت البنتين متفوقتين في دراستهما و دائما تحتلان المراكز الأولى، فليلى لم يتبقى لها سوى هذه السنة لكي تتخرج و تصبح محامية و هذا لتصل لمبتغاها الذي طالما حلمت به ألا و هو الدفاع عن جميع الفتيات ضحايا الاغتصاب، أما نرجس فهذه السنة ستجتاز امتحان البكالوريا، و انتهت السنة فكانت ليلى الأولى على دفعتها و نرجس نجحت بمعدل جد ممتاز. في حفل تخرج ليلى حدث ما لم يكن في الحسبان، و حضر ضيف لم يدعى، حضرت فاطمة، فنعيمة قد بحثت عنها لتكن هي هديتها لليلى و لكي تكون الفرحة فرحتين، و ما رأتها ليلى حتى انصدمت فهي لا تزال تتذكر ملامحها اللامبالية التي كانت ترسم على وجهها عندما تحكي لها ما جرى لها مع عصام و لكن بوجه شاحب رسم الزمن عليه بخطوط عريضة، أما نرجس فلم تعرفها إذ كانت صغيرة العمر عندما تخلت عنها، حاولت فاطمة الاقتراب من بنتيها لكن ليلى منعتها، فلحظة رؤيتها تذكرت ماضيها الحزين و الآلام التي عانت منها، فذرفت دموعها، لكن ليلى لم تعطي لدموعها أية أهمية، فعينيها قد جفت من الدموع، فأخبرتهما أن عصام هو من كان يظلل الحقيقة و يزيفها و يظهر لها ملاكه في حين انه شيطان على هيئة إنسان، وكان دائما يغتنم الفرص ليذكرها بمعاناتها مع والدهما و يحاول جعلها تقطع أية صلة مع ماضيها، و تضرعت لهما لمسامحتها على أخطاءها و على عدم الاهتمام بهما وعدم تصديق ليلى و الوثوق بزوجها و كما أنها قد أخبرتهما أنها لم ترزق بأطفال و أن عصام يعاني من مرض السرطان و قد عجز الأطباء على معالجته، فقاطعتها ليلى وواجهتها بعنف، و قالت انه يستحق ذلك و هذا جزاء بسيط لما فعله بها، ولا يساوي طفولتها التي حرمت منها بطريقة وحشية بدون رحمة و لا شفقة، أما هي فلن تسامحها، فقد كان عليها أن تحس بمعاناتها، هنا تدخلت نعيمة و أوقفتها و حاولت إقناعها أن أمها كانت ضحية هي الأخرى لمؤامرات زوجها، كما إنها لم تربيها على الكراهية و الحقد و إنما على المسامحة و الغفران، في هذا الحين راجعت ليلى نفسها، و مر شريط طفولتها أمام عينيها، وركعت على ركبتيها و دموعها تنهمر، و فرغت كل ما كان يتراكم من سنين، و بعدها أحست كأنها ولدت من جديد بقلب صاف، و هرولت تعانق أمها، كطفلة غابت أمها عنها و اشتاقت لحضنها، أما نرجس الصغيرة فقد استطاعت مسامحة أمها بسرعة لأنها لا تتذكر معاناتها معها، و ذهبتا معها إلى بيتها، فوجدتا عصام مستلقيا كخيط فوق السرير، فنظرت له بنظرة الشفقة بالرغم من أنها هي من تأذت أكثر، فطلب منها المسامحة و الغفران، فقالت له من بعيد أن الله يغفر فكيف لها أن لا تغفر، فكانت هذه الكلمات آخر ما سمعه عصام، فقد سلم الروح لمولاها، كأنه كان ينتظر من ليلى أن تسامحه.
     بعد نهاية الجنازة، انتقلت ليلى و أمها وأختها الصغرى إلى منزل آخر، لكتابة صفحة جديدة مازالت بيضاء خالية من المعاناة و الأخطاء، تاركين وراءهم منزل مليء بالذكريات القاصية التي قد ينفطر لها القلب، و عشن حياة يسودها الحب و الحنان.
     اعتادت ليلى على زيارة الميتم و اللعب والاستمتاع مع الأطفال، و قد نجحت أيضا في أخد حق عدد كبير من الفتيات اللواتي كن ضحايا الاغتصاب، و سطع اسمها في سماء مهنة المحاماة.
النهاية
التالي
هذا هو أحدث مقال.
السابق
هذا هو أقدم مقال

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

إعلان أسفل المقال